فن المنمنمات
تاريخها_ صفاتها_أشهر فنانيها.
تعريف الفردوسي وكتاب الشهنامة

الفردوسي و الشاهنامه
الحكيم الفردوسي هو أبو القاسم منصور بن حسن بن شرفشاه، مشهور بالفردوسي لانتسابه إلى كلمة «فردوس» بمعني البستان
ثمة هالة من الابهام والاسطورة تلف حياة هذا الشاعر كما هو شأن العظام، ولكن وفق رواية مؤلف «المقالات الأربع» العروضي السمرقندي، وهي أقدم المصادر التاريخية و أقربها لحياة الفردوسي، ووفقا للإشارات الواردة في شاهنامه الفردوسي فإن تاريخ ولادته في أواخر العقد الثالث من القرن الرابع، وينحدر من عائلة من طبقة الدهاقين أو الملاكين من قرية اسمها «باج» في نواحي طبران في طوس حيث كان ذو أملاك وضِياع وأموال
وطبقة الدهاقين علاوة علي قدرتها الاقتصادية فهي ايضا حامل وحافظ للسنن والرسوم والتقاليد الإيرانية الأصيلة وناقل للأخبار والروايات والقصص والأساطير الإيرانية القديمة. فهي تتمتع بثقافة خاصة وفكر أصيل.
أمضى الفردوسي سنوات شبابه في تتبع أخبار تاريخ ملوك إيران وسيرهم المتناثرة في المصادر المكتوبة ولا سيما الكتاب البهلوي «خوتاي نامك» او «خداي نامه» والذي ترجمه ابن المقفع الي العربية في القرن الثاني الهجري تحت عنوان : تاريخ الرسل والملوك.
* كما قرأ الفردوسي الشاهنامات النثرية السابقة و أطلع الفردوسي علي الروايات الشفهية للحكايات والحوادث الحماسية الإيرانية القديمة والتي كانت تدور علي السنة الرواة والنقالين ولا سيما طبقة الدهاقين والأشراف والسدنة.
والفردوسي إلى جانب إلمامه في الثقافة الفارسية وتاريخها كان متبحرا في الأدب العربي والثقافة الإسلامية والفلسفة والبلاغة والكلام.. ولعلّ إشعاره تثبت ذلك ولقبه «الحكيم» يؤكد هذه الحقيقة
في عصر شباب الفردوسي توفي الشاعر دقيقي بعد أن كان الأخير قد شرع بنظم شاهنامته ولم ينشد منها سوي ألف بيت تقريبا، الأمر الذي حرك مشاعر الفردوسي ودفعه لإكمال مشروع دقيقي، وفعلا بدأ بالنظم أكثر من ثلاثين عاما كان نتيجتها هذا السفر العظيم الذي يحوي أكثر من ستين ألف بيت
قدّم الفردوسي شاهنامته إلي السلطان محمود الغزنوي لكنه لم ينل مراده بل كدّر خاطره بعد أن أخلف السلطان وعده بمنحه الجائرة المقررة بستين ألف دينار، فهجاه الفردوسي وهرب من غزنة خوفا من بطش السلطان محمود باتجاه دياره وبقي هناك حتى وفاته
ويقال أن السلطان محمود ندم علي فعله وأرسل له الدنانير، لكن حينما وصلت بوابة طوس كانت جنازة الحكيم تشيع من بوابة أخري.. فقدمت الصلة إلى ابنة الفردوسي الوحيدة لكنها رفضتها بكل إباء، ووقفتها للأعمار
أما الشاهنامة فلغوياً تعني كتاب الملوك أو كتاب التيجان
تعرض الشاهنامه لخمسين ملكا يمتدون علي أربعة سلاسل من الحكومات ، وفق ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأسطورية
والمرحلة البطولية أو الحماسية
والمرحلة التاريخية

المرحلة الأسطورية تبدأ بعهد كيومرث، وهو أول ملك أسطوري قديم تميّز عصره بالاكتشافات الحضارية كالنار والمعادن والأسلحة وغير ذلك، وتنتهي هذه المرحلة بعهد الملك فريدون
المرحلة البطولية أو الحماسية فهي الأغنى والأهم والأجمل في الشاهنامة حيث تبدأ مع ثورة كاوا الحداد علي الملك الضحاك وتربع فريدون علي عرش السلطة، وتنتهي بمقتل البطل رستم.
وقد استطاع الحكيم الفردوسي ان يصبّ ارفع القيم الإنسانية والحماسية والاجتماعية والفكرية والدينية في شخصية ابطاله، ولا سيما بطل أبطاله رستم الذي «لم يخلق الله نظيرا له في العالم» كما يصفه الفردوسي

المرحلة التاريخية، فتمتد من سلطنة بهمن بن اسفنديار او داريوس الثالث أخر ملوك الأخمينيين حتي عهد سلطنة يزدجرد الثالث، أخر ملوك السلسلة الساسانية
علاوة علي ذلك فالشاهنامه تحوي مقدّمة تشتمل أبياتا في توحيد صفات الجمال والجلال الإلهيين ومدحا للعقل وخلق العالم والبشر والشمس والقمر، ومدحا للنبي«ص» وآله وأصحابه الكرام


كما تحوي عناوين في إبداع الشاهنامه وحكاية الشاعر دقيقي ومدح أبو منصور محمد بن عبد الرزاق الطوسي ومدح السلطان محمود الغزنوي التي قدمت إليه. علي أن المطالع للشاهنامه يجب ألا ينتظر رؤية أي حد فاصل بين هذه المراحل الثلاث، فهي ممتزجة متداخلة.
ذاعت هذه الملحمة الفارسية في شتي أنحاء العالم الإسلامي شرقا وغربا وترجمت إلى أكثر لغات شعوبه
تتجلي قيمة الشاهنامه في أنها جمعت التاريخ الفارسي المبعثر بين الصدور والسطور في ملحمة واحدة تتمتع بكافة العناصر الحماسية العالمية، بل تفوق كل حماسات العالم، إذ أن الشاهنامه تكاد تحوي عشرات الملاحم التي لا تقل أي منها عن اية حماسة عالمية أخرى. من ذلك الملاحم البطولية لرستم، ولا سيما رستم و سهراب و رستم و اسفنديار و هفتخوان رستم وكذلك حكاية زال و سياووش وغيرها من الملاحم الفياضة بالحكم والعبر والحس الحماسي والمفاخر و الأمجاد القومية الإيرانية و أساطيرهم القديمة الغابرة
فأبطالها رمز للإنسان المثالي المتعالي الذي يتسلح بقيم الحق والخير والجمال، وصراعهم لم يكن مع أقوام أو أعراق بقدر ما هو صراع مع مظاهر الشر والطغيان والظلم.. والملوك كذلك، فهم سادة عروشهم ومملكتهم ما داموا عادلين منصفين حتي اذاما طغوا ذلوا وسقطوا، كما حدث مع جمشيد والضحاك و كيكاووس وغيره.. لذا فالشاهنامه أكبر من أن تصنّف كأثر ايراني، فهي تتعلق بالأمم كلها، وهي رسالة في القيم لكل زمان ومكان.. والقيمة الأخري للشاهنامه هو دورها العظيم في حفظ اللغة الفارسية وبالتالي التراث الفارسي من الضياع والتشتت الأمر الذي حفظ اللغة الفارسية و تعابيرها الفصيحة وكنوز الحكمة والبلاغة والكلام
وقد ساهمت الشاهنامه في خلق نهضة أدبية انعكست في نظم العشرات من الملاحم والقصص البطولية فيما بعد.. بل تعدي الأمر ذلك لينعكس في الأدب العرفاني والصوفي الذي يعد من أبرز إغراض الشعر الفارسي، فقد حدث انزياح معنوي في الاصطلاحات اللغوية والرموز الحماسية لتتحول إلى اصطلاحات صوفية و عرفانية، ولعل منظومات كمنطق الطير للشاعر العطار و مثنوي مولانا جلال الدين الرومي تموج بالكثير من تلك الاصطلاحات الحماسية العرفانية الأمر الذي يعكس مدي أثر هذه الحماسة وقدرتها في حركة الخلق والإبداع عبر تاريخ الأدب الفارسي






(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home